ابن كثير

413

البداية والنهاية

وفي الثامن والعشرين من رمضان ( 1 ) توفي الملك زين الدين صاحب إربل في حصار عكا مع السلطان ، فتأسف الناس عليه لشبابه وغربته وجودته ، وعزي أخاه مظفر الدين فيه ، وقام بالملك من بعده وسأل من صلاح الدين أن يضيف إليه شهرزور وحران والرها وسميساط وغيرها ، وتحمل مع ذلك خمسين ألف دينار نقدا ، فأجيب إلى ذلك ، وكتب له تقليدا ، وعقد له لواء ، وأضيف ما تركه إلى الملك المظفر تقي الدين ابن أخي السلطان صلاح الدين . فصل وكان القاضي الفاضل بمصر يدبر الممالك بها ، ويجهز إلى السلطان ما يحتاج إليه من الأموال ، وعمل الأسطول والكتب السلطانية ، فمنها كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار كثرة الذنوب ، وارتكاب المحارم بين الناس ، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ، ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه ، وامتثال أمره ، فكيف لا يطول الحصار والمعاصي في كل مكان فاشية ، وقد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منه ، وفيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه المنكرات والفواحش والظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إلا بكلفة كثيرة . ومنها كتاب يقول فيه إنما أتينا من قبل أنفسنا ، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا ، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا ، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به ، فلا يختصم أحد إلا نفسه وعمله ، ولا يرج إلا ربه ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان ، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل ولا فلان ، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها ، وإنما النصر من عند الله ، ولا نأمل أن يكلنا الله إليها ، والنصر به واللطف منه ، ونستغفر الله تعالى من ذنوبنا ، فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل ، وفيض دموع الخاشعين قد غسل ، ولكن في الطريق عائق ، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق . ومن كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه من الشدائد ، أثابه الله بقوله : وما في نفس المملوك شائنة إلا بقية هذا الضعف الذي في جسم مولانا فإنه بقلوبنا ، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا ثم قال : بنا معشر الخدام ما بك من أذى * وإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي وقد أورد الشيخ شهاب الدين صاحب الروضتين ها هنا كتبا عدة من الفاضل إلى السلطان ، فيها فصاحة وبلاغة ومواعظ وتحضيض على الجهاد ، فرحمه الله من إنسان ما أفصحه ، ومن وزير ما كان أنصحه ، ومن عقل ما كان أرجحه .

--> ( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : ثامن شوال .